gototopgototop

الموسيقى في الأندلس

حظيت الموسيقى بعناية كبيرة وانتشرت انتشارا واسعا في الأندلس طيلة الحكم الإسلامي، وتعددت مظاهر الحفاوة والتكريم والتقدير التي أحيط بها رجالها، وهكذا نجد على سبيل المثال أن الخليفة الحكم الأول (796-822م) يستقدم مغنين ومغنيات من المشرق مثل زرقون وعلون ومنصور والعجفاء، وأن الخليفة عبد الرحمن الثاني (822-852م) يخرج بنفسه لاستقبال زرياب عند وصوله إلى قرطبة سنة 822م. ولم يفقد الموسيقيون مكانتهم الرفيعة في المجتمع حتى خلال فترات الانقسام والفتن التي كانت تمر بها البلاد أحيانا.

ولم يكن هذا الاهتمام بالموسيقى مقصورا على الطبقة الحاكمة وأبناء النخبة فقط، بل إن الطبقة الشعبية أيضا كانت تشاركها ذلك؛ وكانت ممارسة الموسيقى والغناء عادة شائعة بين عامة الناس. يقول التجيبي واصفا ليالي قضاها مريضا في مالقا سنة 1015م:"... كنت إذا جنني الليل اشتد سهري وخفقت حولي أوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل ناحية، واختلطت الأصوات بالغناء، فكان ذلك شديدا علي وزائدا في قلقي وتألمي، فكانت نفسي تعاف تلك الضروب طبعا وتكره تلك الأصوات جبلة، وأود لو أجد مسكنا لا أسمع فيه شيئا من ذلك ويتعذر علي وجوده لغلبة ذلك الشأن على تلك الناحية وكثرته عندهم"[1].

وقد وجدت الموسيقى من يدافع عنها من بين الفقهاء أنفسهم؛ يقول ابن عربي :"... وليس الغناء بحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمعه في بيته وبيت غيره، وقد وقف عليه في حياته..."[2]. ويقول الفقيه الأديب ابن عبد ربه:"... وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف وصلة الأرحام والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب..."[3].

ونظرا لما كانت عليه الموسيقى العربية من رقي وتفوق فإن بلاطات الممالك المسيحية كمملكة قشتالة وآراغون كانت لا تخلو من عازفين ومغنين مسلمين، وكذلك قصور الأمراء والنبلاء المسيحيين، وقد ظل الأمر على هذه الحال حتى بعد سقوط مملكة غرناطة. يذكر ابن بسام في الذخيرة أن "ابن الكنان المتطبب قال واصفا مجلس غناء في أحد قصور النصارى فقال: شهدت يوما مجلس العلجة بنت شنجة ملك البشكوش زوج الطاغية شنجة بن غارسية بن فردناند، وفي المجلس عدة قينات مسلمات من اللواتي وهبهن له سليمان بن الحكم أيام إمارته بقرطبة، فأومأت العلجة إلى جارية فيهن فأخذت العود وغنت به... فأحسنت وأجادت، وعلى رأس العلجة جاريات من القوامات أسيرات كأنهن فلقات قمر..."[4].

 

كانت مستلزمات الإبداع الموسيقي وفي مقدمتها الحاجة إلى تنويع الإيقاعات الموسيقية في الغناء، وضرورة إخضاع الجملة الكلامية للجملة اللحنية وليس العكس، سببا في الخروج عن الأوزان الشعرية التقليدية والتحرر من قيودها، وهكذا ظهر الموشح إلى الوجود. ويقول ابن سناء الملك عن الموشحات المتحررة من أوزان الشعر العربي بعد أن يئس من وضع عروض لها :"... ما لها عروض إلا التلحين ولا ضرب إلا الضرب، ولا أوتاد إلا الملاوي ولا أسباب إلا الأوتار. فبهذا العروض يعرف الموزون من المكسور، والسالم من المزحوف، وأكثرها مبني على تأليف الأرغن، والغناء بها على غير الأرغن مستعار، وعلى سواه مجاز"[5].

وقد اختلف الباحثون حول من اخترع الموشح وأكثرهم ينسب ذلك إلى مقدم بن معافى القبري الذي عاش في القرن 9م. وقد عرف الموشح انتشارا واسعا في القرن 10م وبرع فيه العديد من الشعراء أمثال عبادة القزاز وأبي بكر بن زهر وابن بقي والأعمى التطيلي وابن باجة وابن سهل الإسرائيلي وابن الخطيب وابن زمرك وغيرهم.

واستجابة لمتطلبات الغناء كانت لغة الموشح تتميز بسهولتها وعذوبتها وبموسيقى ألفاظها وسلاستها، وكانت هذه الألفاظ أحيانا ملحونة أو عامية، كما كانت أحيانا أعجمية في "الخرجة"، وهو أمر نتج عن الاختلاط الذي كان قائما بين الأجناس المختلفة المتعايشة في الأندلس وما ترتب عن ذلك من تبادل التأثير بينها. ومعلوم أن أغلبية سكان الأندلس كانت تتكلم العربية والرومانسية أو اللاتينية العامية. يقول ابن حزم إن قبيلة البلويين كانت لا تتكلم إلا العربية فقط، وهو استثناء يستفاد منه أن غيرها كان يتكلم العربية والرومانسية معا.

وإلى جانب الموشح ظهر لون آخر من الشعر الغنائي، هو الزجل الذي سمي كذلك لترجيع الصوت به في الإنشاد، وهو شعر عامي كله عربي وأحيانا تخالطه ألفاظ أعجمية؛ وهو يشترك مع الموشح في أسباب نشأته وانتشاره، وهي الموسيقى والغناء وحاجة الناس إلى التعبير عن عواطفهم وأحاسيسهم نظما وشدوا باللغة العامية المتداولة في حياتهم اليومية. وكما اختلف في أمر من اخترع الموشح فقد اختلف أيضا في أمر من اخترع الزجل، إلا أن أغلب الباحثين يتفقون على أن أول من اشتهر به هو أبو بكر بن قزمان (1087-1160م)، وهو من أصل إسباني، وكان من المقربين من الخليفة عبد المومن الموحدي. يقول ابن سعيد :"قيلت (أي الأزجال) بالأندلس قبل أبي بكر بن قزمان، ولكن لم تظهر حلاها ولا انسكبت معانيها ولا اشتهرت رشاقتها إلا في زمانه، وكان في زمان الملثمين، وهو إمام الزجالين على الإطلاق"[6].

ومن الزجالين الذين يجدر ذكرهم وإن كان معظم إنتاجهم قد ضاع: أحمد بن الحاج مدغليس وابن غرلة والزاهد الإشبيلي وابن الحبيب الجزري وعلي بن جحدر... ومن الزجالات نزهون بنت القلاعي الغزناطية وأم الكرام بنت المعتصم بن صمادح...

وقد عرف الزجل انتشارا واسعا في كل أنحاء الوطن العربي. يقول ابن سعيد عن أزجال ابن قزمان :" وأزجاله المدونة رأيتها في بغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب"[7] ولم يكن تداول الزجل مقصورا على أبناء الطبقات الشعبية فقط، بل إنه عرف إقبالا كبيرا حتى بين أبناء الطبقات الراقية والمثقفة. وتجدر الإشارة إلى أن رجال الصوفية وأهل الذكر قد نظموا هم أيضا على منواله واستخدموه في حلقات الذكر والسماع، ومنهم على الخصوص ابن عربي والششتري.

وقد ازدهرت صناعة الآلات الموسيقية في الأندلس وتعددت أنواع هذه الآلات نتيجة لما عرفته الموسيقى من انتشار واسع، وما حظيت به من رعاية وتشجيع من لدن الطبقة الحاكمة. و ازدهرت هذه الصناعة في كثير من المدن، وخاصة منها إشبيليا التي قال عنها أبو الوليد الشقندي المتوفى سنة 1231م في رسالته في فضل الأندلس إنها "قاعدة صناعة الملاهي وآلات الطرب، وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا جلب إليه من الأندلس"[8].

وإذا أحصينا عدد الآلات التي ذكرها الشقندي في هذه الرسالة وتلك التي ذكرها ابن الدراج السبتي المتوفى سنة 1294م في كتاب الامتناع والانتفاع، وأحمد التيفاشي المتوفى سنة 1253م في كتاب متعة الأسماع في علم السماع، وأضفنا إليها أسماء غيرها من الآلات المذكورة في مصادر أخرى فسنجد أن عددها يفوق سبعين آلة ما بين وترية وهوائية وإيقاعية، بعضها معروف وما زال متداولا، وأغلبها مجهول أو انقرض. وقد ظهرت صور بعض هذه الآلات ضمن الإحدى وخمسين منيمنة التي تزين "أناشيد القديسة مريم" (Las cantigas de Santa Maria) التي أمر الملك ألفونسو العاشر بجمعها في القرن 13م، وبعضها يمثل موسيقيين مسلمين يعزفون على آلاتهم بمعية موسيقيين مسيحيين، الأمر الذي يستنتج منه أن هذا المشهد كان مألوفا في ذلك العصر.

[1]- عباس إحسان- تاريخ الأدب الأندلسي- بيروت 1960-1961

[2]- أبو الفرج الأصبهاني- كتاب الأغاني- بيروت 1970

[3]- Alain Daniélou-Traité de musicologie comparée - Paris 1959

[6]- ابن عبد ربه- العقد الفريد- القاهرة 1950

[7]- ابن حزم – طوق الحمامة- القاهرة 1955

[8]- عباس الجراري- موشحات مغربية- البيضاء 1973- الزجل في المغرب- الرباط 1970

لأستاذ يونس الشامي

عضو المجمع العربي للموسيقى